عبد الله الأنصاري الهروي
290
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
وأمّا الجفاء ، فهو أن تعامل الخلق باطّراح الأدب معهم ، وتضييع حقّهم ، وتسميتهم بأبغض أسمائهم إليهم ، مثل الألقاب ، قال اللّه تعالى : وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ « 4 » ، فالطّريق السّالكة هي الحدّ بين الغلوّ والجفاء ، فمن حفظ هذا الحدّ فقد قام بالأدب . قوله : بمعرفة ضرر العدوان ، يعني أنّ حفظ هذا الحدّ لا يمكن إلّا بمعرفة ضرر العدوان ، يعني / بالعدوان هنا سوء الأدب ، لأنّ العدوان هو التعدّي ، والتعدّي له مراتب كثيرة ، فمن جملتها التعدّي في مراتب السّلوك عن حدود المقامات ، وسنذكر ذلك . [ الدّرجة الأولى منع الخوف أن يتعدّى إلى الإياس ، وحبس الرّجاء أن يخرج إلى الأمن ] الدّرجة الأولى : منع الخوف أن يتعدّى إلى الإياس ، وحبس الرّجاء أن يخرج إلى الأمن ، وضبط السّرور أن يضاهي الجرأة . ( 1 ) منع الخوف أن يتعدّى إلى الإياس ، يعني أن لا يحكم على قلبه الخوف من العقوبة ، بحيث ييأس من الرّحمة ، فإنّ هذا ممّا يزري بالأدب ، وصاحب هذا ناقص ، لأنّه نسي أنّ رحمة الحقّ تعالى تغلب غضبه . شعر : لا تحظر العفو إن كنت امرأ حرجا * فإنّ حظركه بالدّين إزراء والمراد بالدّين في هذا البيت الأدب ، مع أنّ قائل هذا البيت مسرف على نفسه ، واللّه يغفر لنا وله . قوله : وحبس الرّجاء أن يخرج إلى الأمن ، يعني مراعاة الطّرف الآخر ، وهو الرّجاء ، فلا يبلغ في الرّجاء أن يأمن من العقوبة ، إنّه لا يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون .
--> ( 4 ) الآية 11 سورة الحجرات .